موقع مفتوح لكل من يؤمن بالإختلاف و التنوع لكل فكر حر موقع الجميع باختلاف اهتماماتهم un espace pour toute pensee libre pour la divercite et la liberte. pour de larges activites
شذرات من كتاب البهيموقراطية....
من مزايا الثورة أنها مكّنت التونسيات والتونسيين من التعرّف على وجوه وأصوات وأقلام لم يكونوا يتخيّلون مجرّد وجودها في بلادهم خلال زمن البهيموقراطية. وهكذا اكتشفوا مبهورين عددا كبيرا من السياسيين والمفكّرين والكتّاب والفنانين الذين كانت وسائل إعلام الديكتاتور تتجاهلهم تجاهلا مطلقا لتقدّم بدلا عنهم عددا من المتزلّفين وأكلة الفتات حتى يشكّلوا ديكورا بهيموقراطيا مضحكا من فرط بذاءته. لكنّ مصائر هذه الشخصيات لم تكن كلّها سعيدة كما كانت تنتظر.
خذ لك مثلا "الزعيم" الحقوقي ثمّ السياسي منصف المرزوقي الذي كان مناضلا من طينة رفيعة فعلا وتعرّض إبّان رئاسته رابطة حقوق الإنسان كما بعدها إلى أشكال شتّى من المضايقة والتنكيل بسبب رفضه الشجاع للديكتاتورية وخاصة لتلاعب بن علي وأزلامه بالدستور، وهو ما اضطرّه في النهاية إلى مغادرة البلاد ومواصلة نضاله الوطني من خارجها. وحين فرّ المخلوع، عاد صاحبنا مظفّرا ليشارك أبناء شعبه فرحتهم بانجلاء الكابوس البهيموقراطي. لكن يبدو أنه قد عشّشت لديه في الأثناء ثبيتة (une fixation) مفادها أنه في كل الأحوال الرئيس المقبل للبلاد. وهكذا بادر حال وصوله إلى التوجّه رأسا، لا إلى أهله وموطن رأسه كما يفعل جميع المنفيين عادة، وإنما إلى....سيدي بوزيد والقصرين!! كونهما المدينتان التين شهدتا اندلاع الثورة والتين كان يحلم بأن تستقبلاه استقبال الأبطال الملحميّين بحيث تفرشان له البساط الأحمر نحو قصر قرطاج وحدائقه الفردوسية. لكن حلم الرئاسة سرعان ما ارتدّ كابوسا. فالناس هناك شعروا أن السيّد جاءهم متمسّحا على أعتابهم طالبا مباركتهم لزعامته وهم لمّا يضمّدوا بعد جراحهم ولم ينتهوا من بكاء موتاهم. وهكذا رموه لا بالورد والياسمين وإنما بالطماطم وبأقذع النعوت. ووصل الأمر ببعض شطّارهم إلى سرقة هاتفه الجوّال الفاخر ممّا حدا ببعض الساخرين إلى سؤاله على سبيل الإنكار: "إذا كنت غير قادر على حماية جيوبك من النشالين، فكيف سيتسنّى لك حماية البلاد والعباد لو حدث ونصّبناك فينا رئيسا؟!!"
ولكن حلم الرئاسة لم يغادر صاحبنا رغم تلك الصفعة المهينة. حين انسدّت دونه وإيّاها السبل عبر كاريزماتيته الموهومة، انقلب صاحبنا أيّ منقلب إذ التفت حوله فقدّر أن الإسلاميين يشكّلون القوّة الغالبة على المشهد السياسي وجعل من ثمّة يتبع خطاهم كما لو كان لهم ظلّا!!
وجه سياسي آخر لم يكن (رغم بعض التقلّبات) يقلّ عن المرزوقي نضالية كما أنه لا يقلّ عنه هوسا بالزعامة وتثبيتا على صورته رئيسا (لا أشكّ لحظة أن أكثر الأحلام تردّدا على نوم هذين وغيرهما هو مشهدهم بالبزّة الرئاسية والشعار الجمهوري). وقد نال نجيب الشابي، إيّاه أعني، صفعة لا تقلّ إذلالا عن تلك التي اكتوى بها خدّ صاحبنا الأوّل. فقد كان الرجل أحد قلائل قادة الأحزاب المعارضة الذين وقفوا بشجاعة ضدّ بن علي. وأصدع مرّات عدّة بمواقف لا غبار عليها ضدّ الاستبداد وضدّ التلاعب بالدستور. وكان ترشّحه الوحشي للرئاسة واحدة من اللحظات الفارقة في التاريخ السياسي التونسي المعاصر. كما أن جريدة "الموقف" الذي كان يصدرها حزبه واحدا من المنابر النادرة التي وجد فيه مناهضو الاستبداد البهيموقراطي متنفّسا لأقلامهم المحاصرة. وهو ما جعل أعوان المخلوع يبذلون كلّ ما في وسعهم لمنعها وعرقلة صدورها وتوزيعها بما دفع الشابي وصحبه إلى عدد من إضرابات الجوع ومن الاعتصامات حتى يفكّوا الحصار عنّا وعنهم. لكن هوس الرئاسة قد تمكّن من صاحبنا إلى درجة أنه قبل في مرحلة أولى الدخول في حكومة محمّد الغنوشي التي كانت غالبيتها العظمى من وزراء بن علي وعصابته الفاسدة، فألقى بظلال ثقيلة من الشك على نفسه وعلى مناضلي حزبه. ولأنه فكّر مثل المرزوقي أن مناطق الوسط الغربي هي "كعبة" الثوريين وبداية الرحلة باتجاه القصر الرئاسي فقد تمسّك بإحداث وزارة على المقاس (التنمية الجهوية للمناطق المحرومة أو شيء من هذا القبيل) وسافر إلى هناك بدوره فلاقى نفس المصير، ما عدا مسألة نشل الهاتف الجوّال. وحين تفكّكت حكومة الغنوشي تحت ضغط الشارع، خرج علينا الشابي ليحذّرنا من أن ذلك مؤذن بالخراب العميم لأنه سيأتينا بحكم عسكري عضوض أو بفوضى عارمة لن يستفيد منها سوى الإسلاميون. نفس الإسلاميين الذين كان قد تحالف معهم إبّان ما سمّي بحركة 18 أكتوبر أيام الاستبداد. ولمّا لم يحدث من ذلك شيء، انقلب صاحبنا منقلبا آخر ومدّ يده إلى التجمّعيين الذين تفرّق شملهم وتبعثرت صفوفهم بعد حلّ حزبهم الذي كان حاكما. وجعل يظهر على الناس داخل صورة إشهارية عملاقة تذكّرنا بصور بورقيبة وبن علي...وإلى جانبه تظهر مواطنة ضئيلة الجسم مسلوبة الإرادة هي....الأمينة العامّة لحزب صاحبنا المهووس بالرئاسة !!!
شخصيات(2)
لكن الثورة لم تكشف لنا فقط زعماء كان المعنيون بالشأن السياسي المناهض يعرفونهم رغم جهل الغالبية العظمى لهم. فقد أطلّت علينا بفضلها أيضا وجوه كانت مغمورة تماما تمكّن أصحابها أن يتحوّلوا في وقت قياسي إلى نجوم تتناقل أخبارهم وتتبادل تدخّلاتهم في مختلف وسائل الإعلام وعلى شبكة الفايسبوك خصوصا.
خذ لك مثلا رئيس الخدم في القصر الرئاسي الذي تحوّل بين عشية وضحاها إلى شخصية مرموقة تجرى معه حوارات تلفزية مطوّلة ويصدر باسمه كتاب في فرنسا يتحدّث فيه على ما يبدو عن الحياة اليومية للزوج الرئاسي وخاصة عن "سيدة القصر" وأخلاقها المنحلّة وملذاتها المترفة والبهارات الجنسية الفضائحية التي تحويها قائمة المآكل التي كانت تسطّرها لزوجها العجوز. هذا المواطن الذي هبطت عليه الشهرة والثروة فجأة وقع بدوره في ورطة مضحكة. فبعد أن تركّز حديثه على الفساد الأخلاقي والتفكّك الأسري الذي تميّزت به عائلة المخلوع، تمّ إيقافه في المطار لمّا أراد السفر إلى فرنسا للحصول على غنيمته من كتابه التافه. أمّا التهمة فهي بكلّ بساطة....تفصّيه من واجباته القانونية في الإنفاق على طليقته وأبنائه!!
شخصية أخرى من دوائر خدم المخلوع طبقت شهرتها الآفاق وحازت من الشعبية والإعجاب قدرا غير يسير. لكن الأمر هنا عجائبي، بل سوريالي بكل المقاييس. يتعلّق الأمر بشخص على درجة عجيبة من ضخامة الجسم وكبر الرأس أطلّ على التونسيين فجأة بعيْد 14 جانفي ليقول أنه حارس شخصي سابق لدى بن علي، وليروي حكايات لا يصدّقها عقل عن مؤامرات كانت تحاك بين فرق متناحرة في وزارة الداخلية وداخل الحرس الرئاسي. كما تحدّث هذا الغوريلاّ عن طرده من منصبه بسبب أمانته وشهامته...أو بسبب زواجه من أفغانية، وكذلك عن اشتغاله مع الأمريكان والبريطانيين في العراق (التي مازال مقيما بها!). ولأن البهارات الجنسية لا يمكن أن تغيب عن أحاديث مثل هؤلاء "الأبطال"، فقد تحدّث هذا "الماتريكس" الفريد من نوعه عن الكيفية التي كان يحمل بها سيّدة القصر ليضعها في فراشها فجرا وهي مسطولة وعائدة من سهرات جنسية ماجنة وشاذة في الآن ذاته، وبعد أن تكون قد سدّدت لزوجها المخدوع والمغلوب على أمره بضع صفعات على سبيل "تصبح على خير أيها القوّاد". وحين لاحظ صاحبنا تفاعل الشباب الفايسبوكي مع ترّهاته ومع أحاديثه السوقية التي تعكس ضحالة ثقافية وأخلاقية مفزعة، نصّب نفسه زعيما جديدا للثورة "الثانية" التي ستكنس الحكومة المؤقّتة وكلّ الهيئات القائمة لتنصّب وزيرا ساذجا مُقالا من الداخلية رئيسا للبلاد وهذا الغوريلاّ نفسه وزيرا أوّل أو ما شابه!! حين لاحظت درجة الشعبية التي نالها هذا "الأخ" بين شباب الفايسبوك خاصّة، قلت لنفسي "مازال عمر البهيموقراطية طويلا".
شخصيات(3)
برزت أيضا على سطح الأحداث الثورية شخصيات نسائية طريفة لا يمكننا باسم الإنصاف الثوري تناسيها. وأهمّ شخصيتين لفتتا نظري في هذا السياق اثنتان: مغنية وراقصة. الأولى اسمها إيمان حققت في السابق نصيبا من الشهرة والثروة عبر ترديدها لأغاني غيرها خلال الحفلات البنفسجية المعروفة والتي كانت ترتدي خلالها ثيابا تكشف نزرا غير يسير من مفاتنها. بعد الثورة ببضعة أيّام ظهرت هذه الآنسة على شاشة تلفزيونية معروفة بشعبويّتها المقرفة وهي ترتدي حجابا وتتحدّث (حسب ما قيل لي، فأنا لا أملك تلفزة أصلا) بتأثّر عن توبتها النصوح وعن عودتها إلى السبيل القويم الذي كانت قد زاغت عنه خلال الزمن البهيموقراطي. ولكن الأخت إيمان مضت خطوة عجيبة أخرى في التدليل على صدق إيمانها الطارئ حين أعلنت بكلّ وثوق أنها تعتزم تنظيم حفلة غنائية في المسرح البلدي بالعاصمة، على أن يكون الحفل....للنساء فقط!!
أمّا عن الراقصة فهي تدعى نورس، قيل (والله أعلم) أنها كانت من عشيقات أحد أفراد عائلة الرئيسة. رأيتها من خلال مقطع فايسبوكي يقدّم لنا حوارا قصيرا معها على هامش مساهمتها في اجتماع لحركة النهضة. كانت تجيب عن أسئلة محاورها وسط زمّات مغرية لشفتيها القرمزيتين وغمزات مغناجة من عينيها المكحّلتين بعناية واهتزازات لنصفها العلوي وتلويحات من يديها تؤشّر بوضوح على مهنتها السابقة. وفي ذات الوقت طفقت تتحدّث عن هدايتها وعن ثقتها المطلق في "شيخنا" الغنوشي الذي سيقود في رأيها البلاد إلى برّ الأمان. ولا أخفيكم أنها ذكّرتني، رغم الفارق في التوقيت، بطيّبة الذكر رابعة العدوية التي أبدعت في أداء دورها الممثلة نبيلة عبيد وسط أغاني الراحلة أم كلثوم.
عن هاتين "الفنانتين" التائبتين قال أحد المازحين على شبكة الفايسبوك أنه يجدر بهما أو بزعماء الحركة التي انتسبتا إليها، حين يستتبّ لها الأمر في حكم البلاد، تأسيس شبكة من الكبارياهات "الحلال" تغنّي فيها إيمان وترقص على أنغامها نورس، على أن توزّع على الحاضرات والحاضرين قوارير من ماء زمزم وفناجين من الينسون. أمّا الشاشة العملاقة، فيمكن أن تبثّ عليها مقاطع مختارة من فيلمي الرسالة ورابعة العدوية...وحلقات منتقاة من برامج الشيخ....القرضاوي!!