Vendredi 19 février 2010 5 19 /02 /Fév /2010 23:41

Par صقر saker - Publié dans : Cours de philosophie درس الفلسفة

 

* في راهنية المسألة:

يبدو أنّه "لم يعد بالإمكان أن نفكّر بعد إنشتاين مثلما كنّا نفكّر قبله"..فلقد انتهى الأمر بالعلم في ظلّ التطوّرات التي شهدها انطلاقا من بداية القرن العشرين، بالإضافة إلى ظهور مباحث علمية جديدة (الألسنية، علوم التربية، علوم الاتّصال، المعلوماتية، السيبارنيطيقا) إلى الانثناء على ذاته ومراجعة جملة أسسه ومبادئه ومعتقداته، حيث لم يعد بإمكان منظومة المفاهيم السائدة استيعاب ما تطرحه التطوّرات العلمية من إشكاليات. وقد كان لذلك الأثر المباشر في طرح عديد القضايا ذات الصبغة الابستيمولوجية والفلسفية والمتّصلة بطبيعة المعرفة العلمية.

ولعل أهم ما أفضت إليه هذه المراجعة ظهور مصطلح النمذجة التي تعبر عن وصف لمسار اشتغال العلم وكيفية بناءه أو إنتاجه، لذلك يبدو ضروريا أن نولي مسألة النمذجة وإنشاء النماذج ما تستحقه من عناية قد تسمح لنا ببيان كيف؟ ولماذا؟ ومن أجل من؟ تبنى وتتصور وترسم أو تكتب النماذج العلمية ؟ كما يعد من الضروري أن نتبين مشروعية النماذج التي تبنى وتطبق للتفكير في الواقع بما فيه من ظواهر وسلوكيات.

فإذا سلّمنا مع بول فاليري بأننا "لا نفكر إلا على أساس النماذج" [nous ne raisonnons que sur des modèles ]، وجب أن نفهم كيف تبنى النماذج، وأي منزلة إبستيمولوجية للنمذجة في الثقافة العلمية، وأي قيمة فلسفية للنمذجة؟ أو ما الذي تقتضيه من مهام في علاقة برجل المنطق والإبستيمولوجي والفيلسوف؟ ولعل الصعوبة التي تعترضنا في هذا المقام تكمن في أن اهتمام الثقافة العلمية بالنموذج معاصر، ففي مستوى البحث العلمي يبدو النموذج بما هو وسيلة أو أداة إنتاج وعرض المعرفة مفهوما حدثا، كما يبدو مفهوم النمذجة مستحدثا بحيث لا نعثر في المعاجم المتداولة على تعريف للنموذج وفق ما يفهم في معالجة الظواهر التي تعتبر مركبة، بل لعل حضور فكرة النموذج في التقليد الفكري وتعدد مجال فهمه واستخدامه ما يؤكد هذه الصعوبة نظرا لإمكان الخلط بين دلالة النموذج علميا ودلالته في التقليد النظري، لكن هذه الصعوبة لا ينبغي أن تحول دوننا والتفكير في المسألة إذ غدا النموذج كما النمذجة الكلمة المفتاح على ما يبدو في لغة العلم والعلماء والمهتمين بالشأن العلمي، وهو ما يؤكد راهنية مسألة النمذجة وما يضفي مشروعية على تناولها بغاية بيان منزلة النموذج والنمذجة في الفكر العلمي المعاصر من جهة إبستيمولوجية وفلسفية.

* في علاقة النمذجة بالبرنامج:

يتنزل تناول مسألة النمذجة في البرنامج ضمن توجه عام اتخذ من الكوني مطلبا، وإذا كان العلم بما هو خطاب عقلاني تفسيري لا يتعارض مع هذا المطلب اعتبارا إلى ما تتسم به مبادئه ومنطقه ونتائجه من طابع كوني، استنادا إلى كونية العقل العلمي ذاته، فإنّ مقاربة العلم من جهة النمذجة والقول بأنّ النمذجة هي السمة المميزة للخطاب العلمي اليوم ما يثير بعض الصعوبات في بيان صلة النمذجة بالكوني، فهل يتوافق مطلب الكوني والكلي مع معالجة مسألة النمذجة ضمن برنامج اتخذ من الكوني مطلبا ؟

قد تكون علاقة النمذجة بالكلي إشكالية وتثير كثيرا من الجدل، ولكن يبدو مع ذلك وفي قراءة أولى أو أولية أن مسألة النمذجة في تناغم مع روح البرنامج ومطلبه:

* إذ تعد النمذجة، مسار كل علم مهما كان قطاعه المعرفي، فالنمذجة لا تخص علما من العلوم أو قطاعا معينا من قطاعات المعرفة بل تشمل كل العلوم دون استثناء: العلوم الصلبة أو ما تسمى بالصحيحة أو العلوم اللينة أو العلوم التي لم تبلغ مستوى العلوم الصلبة، ، ومن هذه الجهة تبدو النمذجة كلية بما أنّ المسار كلي.

* ترتبط النمذجة ببنية كلية تضم التركيبي والدلالي والتداولي أي أن النمذجة بنية كلية تستجيب لكل انتظاراتنا من العلم، إذ تفضي إلى تجاوز القول بأن "العلم لا يفكر" مادام لا يهتم فقط بالإجابة عن سؤال كيف؟ وإنما أيضا عن سؤال لماذا؟ أو من أجل ماذا؟، اعتبارا للطابع التليولوجي للعلم. فالنمذجة تهتم بالنظر كما بالفعل وكأن النمذجة تستعيد العلم بما هو حكمة نظرية وعملية، أي حكمة دافعها الكلي ومطلبها الكلي.

* إنّ من بين مبررات التجاء العلم إلى النمذجة بما هي مسار أو تمشي أن العلم يهتم بالتفكير في المركب ، فالوعي بالطابع المركب للظواهر والأحداث والسلوكيات، هو ما أفضى إلى القول بالنمذجة، وهو ما يعني أيضا أن النمذجة تسمح بالربط بين الاختصاصات المختلفة وتمكن من النظر فيها على ضوء تقاطعها تجاوزا للطابع التجزيئي أو الذري وبالتالي التفكير في الكلي وطلبه.

* تعد النمذجة تأكيدا على الطابع المفتوح للعقلانية العلمية، طالما لا معنى لنموذج مكتمل، وهو ما يؤكد نسبية النماذج، دون أن تفهم هذه النسبية على معنى التشريع لنزعة ريبية في العلم، وإنما تحمل على معنى تأكيد طموح العلم نحو فتح أفق البحث على ما استغلق على العقل العلمي زمن سيادة البراديغم الميكانيكي أو التوجه الوضعي، أي طموح العلم في طلب الكلي، فضلا على أن النمذجة هي تجاوز للمعطى والاكتفاء بالظاهر نحو المنشأ والمبني والمبتكر وكأن العلم يهتم بالبحث عما هو غير موجود وإيجاده، وإنتاج معرفة كلية سواء تعلق الأمر بالعالم الميكروسكوبي أو الماكروسكوبي، الطبيعي أو الإنساني، المتناهي في الصغر أو المتناهي في الكبر أو المتناهي في التعقيد أو التركيب، وهو ما يمكن أن يبرز علاقة النمذجة بمطلب الكلي،وما يسمح لنا بالتأكيد على علاقة التناغم بين النمذجة ومطلب الكلي.

فهل أن هذه العلاقة من البداهة ما يجعلنا نطمئن إليها ونتعامل معها باحتفالية فكرية؟ أم أن الجانب الخفي للنمذجة يمكن أن يكشف لنا عن مسافة بين النمذجة والكلي حتى لا نقول مفارقة النمذجة ومطلب الكلي.

إنّ النظر إلى النمذجة في وجهها الثاني حتى لا نقول وجهها الخفي قد يكشف عمّا يشرع تظننا حول علاقة النمذجة بالكلي:

* إذا ما سلمنا بأن النمذجة تقدّم بما هي نتاج تخلّي العلم المعاصر عن صورة العقل العلمي كما رسمه "لابلاص"، وانهيار اليقين العلمي نتاج ما عرف بأزمة الأسس في الرياضيات وأزمة الحتمية في الفيزياء، فإن ذلك قد لا يعني سوى أن النمذجة هي علامة تفكّك الكلّي، إذ ليس بإمكان العلم أن يكون نتاج النمذجة وأن يدّعي طلب الكلّية؟ ونقض هذا الإدّعاء يمكن أن يتم بالاستناد إلى منجزات العلم ذاته، انطلاقا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، التي انتهت إلى الإقرار بمحدودية النموذج الهندسي الإقليدي والنموذج الفيزيائي النيوتني وعدم إمكانية سحبهما على كلّ الظواهر الكونية واستبدال التصوّر الآلي البسيط للكون حيث ترتبط كلّ الظواهر ببعضها ارتباطا سببيا خطّيا بتصوّر أكثر تعقيدا (اللامتناهي في الكبر واللامتناهي في الصغر واللامتناهي في التعقيد L'infiniment complexe). وقد ترتّب عن ذلك تجاوز الاعتقاد في إمكانية بناء نسق واحد من المبادئ والقوانين الشاملة لكلّية الواقع، بالتحوّل من عقلانية منغلقة دغمائية تدّعي الكلّية إلى عقلانية قطاعية منفتحة والتخلّي عن فكرة النموذج الواحد (النموذج الفيزيائي الرياضي) الصالح في كلّ المجالات (النزعة الوضعية).

* والنمذجة من ناحية أخرى هي تمثيل اختزالي للواقع مرتبط بسياق ما، والنموذج يقترن أساسا بالفعل أو يراهن على التحكم والفعل أكثر من مراهنته على الحقيقة والتفسير، فضلا على أنّ النموذج هو إنتاج أو بناء يرتبط بمواضعة بين مجموعة علمية أو تقنية حتى لا نقول أنه يرتبط بمن يقوم بالنمذجة أو بالفاعلين في إنتاج النماذج، إذ لم نعد نتحدث عن العالم بوصفه ملاحظا موضوعيا بل بوصفه ملاحظا مبتكرا، كما لم نعد نتحدث عن العلم بوصفه يحيل على الزوج معرفة/موضوع بل يحيل على الزوج معرفة/مشروع، وهو ما يثير الإشكال في علاقة النمذجة بمبادئ العلم إذ لا يمكن القول بأن هذه المبادئ كلية بل هي جهوية لا في علاقة بالقطاع المعرفي فحسب وإنما في علاقة بالسياق الاجتماعي والاقتصادي والحضاري الذي يحكم إنتاج النماذج، علاوة على ما قد يفيده السياق من تورط العلمي في الإيديولوجي، ويمكننا القول في هذا السياق أن التفكير في مسارات النمذجة يفرض علينا من زاوية النظر الإبستيمولوجية البحث عن الأبعاد الجديدة للعقلانية العلمية بما هي عقلانية حسابية لا تهتم بحساب الأبعاد والتعبير عنها في لغة رياضية كمية فحسب، وإنما بحساب المصالح والغايات أو الأهداف. ولعل البحث عن أصل النمذجة الذي لا نعثر عليه في الفلسفة أو الفن وإنما يعد وليد التطورات التقنية الهائلة ما يؤكد هذا القول. فالثورة الإعلامية وما أفرزته من نشأة اختصاصات مثل علم التحكم أو القرار أو التواصل أو الذكاء الرامز أو الهندسة وغيرها وعدم قدرة هذه الاختصاصات على أن تكتسب صفة العلومية وفق البراديغم الكلاسيكي وحاجتها إلى اكتساب منزلة علمية، ما دفعها للبحث عن طرق ومناهج لتعين بها وجودها وتكتسب بها صفة وحق الانتماء إلى الحقل العلمي، هو ما شرع وأنتج مفهوم النموذج والنمذجة. فهل يمكننا أن نتجاوز مثل هذه القراءة التي تختزل النمذجة إما باعتبارها السمة المميزة للعلم ومتوافقة مع مطلب الكلي أو باعتبارها ما يمثل إعلان التحكم في العلم ومعاييره خدمة لغايات إيديولوجية وما يتولد عنه من إقرار بهوة تفصل النمذجة عن الكلي أو الكوني أو لعلها تعبر عن كوني الموت أو كوني الهيمنة بدل أن ترتبط بكوني الحياة؟.

*الإشكالات النظرية التي تثيرها مسألة النمذجة:

- إنّ النمذجة كما النموذج مصطلحات حديثة في مقاربة العلم وهو ما يجعلها مسألة ملتبسة تحتاج الكثير من النظر والدقة المفهومية خاصة في علاقتها بجملة من المفاهيم المجاورة على غرار البراديغم أو النموذج الإرشادي، أو مفهوم المثل الأعلى العلمي، أو مفهوم المثال الأفلاطوني...فما المقصود بالنمذجة وأي دلالة للنموذج وأي منزلة له في الفكر العلمي؟ هل يعد مجرد انعكاس لواقع معطى أم أنّه إنشاء لواقع لا يتحقق إلا بالقطع مع المعطى؟ هل تمثل النمذجة مجرد مسار أو منهج أو طريقة يتبعها العلماء في بحثهم ليكون بذلك وسيطا نفوض له وظيفة المعرفة أم أنّه مجرد إجراء لتجسيد المعرفة في صور أو رسوم أو بيانات فيزيائية كانت أو مجردة ؟ أم أنّ النمذجة لا تعد طريقة علمية وإنّما طريقة تستعمل العلم؟ وإذا سلمنا بأن النمذجة هي السمة المميزة للعلم اليوم فأي علاقة لها بالمنهج التجريبي في دلالته الوضعية من ناحية وبالباراديغم الوضعي أو الخبري أو الواقعي من ناحية أخرى؟ هل يمكن النظر إلى النمذجة بما هي امتداد للعقلانية الكلاسيكية أم بما هي إعلان عن براديغم جديد مغاير في مبادئه ومعاييره ونتائجه؟ وإذا أخذنا بعين الاعتبار بنية النمذجة أو أبعادها التركيبية والدلالية والبراغماتية، فكيف نفهم العلاقة بين الجانب التركيبي الذي يحيل على الطابع الصوري للنموذج والجانب الدلالي الذي يحيل على علاقة النموذج بالواقع والتجربة والتوقع والتفسير؟ هل أن الواقع هو ما يمثل أساس إنتاج البنية التركيبية للنموذج ليكون الحدس هو منطلق هذا البناء أم أنّ البعد التركيبي يتشكل صوريا ثم يجد مجال انطباقه في الواقع؟ وأي دور ومعنى للتجربة حين يتعلق الأمر بالبعد الدلالي؟ هل تحافظ التجربة على دلالتها الكلاسيكية بما هي ملاحظة مجهزة ومجال إثبات النظرية أم بما هي تجربة افتراضية أو اصطناع يتم بوساطة الحساب الرقمي [الحاسوب] ؟ وأي علاقة بين النموذج والنظرية؟ هل يعد النموذج مجرد تجسيد للنظرية العلمية أم أن النموذج يتماهى مع النظرية؟ أم أن النموذج نظرية ذات بعد عملي؟ أم ينبغي النظر إلى هذه العلاقة جدليا بحيث لا ينتج العالم نموذجه إلا وفق تصور نظري ما قبلي وأنّ النموذج من شأنه أن يعدل النظرية أو يدفعها إلى مراجعة مبادئها ومسلماتها ومفاهيمها؟ ثم هل من معنى للموضوعية في النمذجة والحال أنّ علاقة الذات بالموضوع لم تعد "محايدة" على معنى الموضوعية الأنطولوجية، في مقابل الحديث عن علاقة تفاعلية بين الملاحظ وموضوعه، هي من جنس العلاقة الفينومونولوجية حيث لا يدعي المنمذج أنه يصف الواقع كما هو وإنما يصف الواقع كما يتمثله؟ وكيف نفهم علاقة النموذج في جانبه التركيبي والدلالي بالجانب البراغماتي؟ هل يفيد هذا الجانب بأن العلم قطع مع القطع مع الغائية؟ هل انتهى إلى إعلان علاقته بالغائية على وجه الملأ ليجعل زيجته بها شرعية حتى وإن لم تكن مشروعة، ليقطع بذلك مع علاقة سرية ارتبط بها بالغائية إذ على حدّ عبارة جاكوب كانت علاقة العلم بالغائية شبيهة بعلاقة رجل بامرأة يريدها ويعاشرها دون أن يريد لعشرته معها أن تظهر للعيان. وأي دافع لعودة الروح لمثل هذه العلاقة؟ أو لصالح من؟ هل أن مثل هذا التحول يهدف إلى تحقيق ضرب من المصالحة بين الواقع العلمي والواقع الإنساني تجاوزا للطابع الجاف والمجرد للعلم أم أنّه إعلان عن علاقة عضوية بين العلم ورأس المال تجعل من النجاعة بدل الحقيقة ومن التحكم بدل التفسير القيمة الأسمى للعلم؟ ألا يمكن وفق هذا القول أن نشكك في الطابع العلمي للنمذجة؟ ألا يمكن القول بأن النمذجة ليست مجال اشتغال العلماء وإنّما مجال اهتمام المهندسين ومكاتب الدراسات والخبراء ورؤساء الأموال حتّى إن اعترفنا باعتماد العلماء على النماذج لتوضيح نظرياتهم؟ وبالتالي ألا ينبغي النظر إلى النمذجة لا من جهة أنها مسار علمي حتمه التطور العلمي وطبيعة الظواهر المركبة وإنما من جهة أنها تدعي العلمية لتخفي طابعها الإيديولوجي وتضفي مشروعية على أفعالها؟

- إنّ عنوان المسألة كما ورد في البرنامج [ العلم بين الحقيقة والنمذجة ] يثير لبسا يغذي مثل هذا الجدل، فالعلم بين الحقيقة والنمذجة قد يوحي من خلال كلمة "بين" أنّ الأمر يتعلّق بمقاربة العلم من جهة الحقيقة أو من جهة النمذجة، وكأنّ العلم انزاح عن مطلب الحقيقة نحو النمذجة، أو لكأننا مدعوون إلى الانتصار إلى مقاربة العلم من جهة الحقيقة أو من جهة النمذجة، وما تثيره فينا مثل هذه المقاربة الاختزالية من رجّة في صورة للعلم عاشرتنا طويلا والمتعلّقة بصلته العضوية بالحقيقة إذ لا معنى للعلم مادام لا ينتج حقائق موضوعية كلية صارمة ودقيقة ومادام لا معنى للعلم ما لم يكن خطابا متميّزا عن غيره من أنظمة الخطاب بكونه عقلانية تفسيرية، فهل ينبغي أن نفهم البين على معنى البين بين لا على معنى إقصائي اختزالي بحيث يفيد عندها عنوان المسألة بأن الحقيقة تغيرت دلالتها وسبل بلوغها مقارنة بالبراديغم الكلاسيكي، انزاحت عن معيار المطابقة إلى معيار الصلاحية والفعالية وأن النمذجة هي الطريق الملكي الذي ينبغي إتباعه من أجل إنتاج الحقيقة، أو أنه لا معنى للحقيقة ما لم تكن نتاج النمذجة؟

* في علاقة برهانات تدريس النمذجة:

أخيرا يبدو الاختيار على تدريس النمذجة لتلاميذ الباكلوريا حاملا لكثير من الرهانات:

رهانات نظرية أو إبستيمولوجية:

ـ الكشف عن منزلة النموذج والنمذجة في البناء العلمي وبالتالي الوعي بآليات إنتاج العلم للمعرفة.

ـ الكشف عن علاقة العلم بالواقع وإبراز معنى القول أن الواقع العلمي واقع منشأ وليس واقعا معطى.

ـ تجاوز النظر إلى الواقع بأنه بسيط والوعي بطابعه المركب، وتجاوز النظر إلى العلم بما هو اكتشاف للنظام الكامن خلف الفوضى الظاهرة والوعي بأن العلم هو الذي ينتج نظامه ويحكم تنظيم الأشياء والوقائع.

ـ التأكيد على الطابع المركب للبناء العلمي من جهة بعده التركيبي والدلالي والتداولي.

ـ تبين علاقة النموذج والنمذجة بالنظرية، والوعي بمنزلة الحقيقة في العلم.

رهانات عملية أو إيتيقية:

ـ الكشف عن الطابع التوتولوجي للعلم والوعي بمنزلة الغايات في المعرفة العلمية.

ـ بيان طبيعة العلاقة بين العلم والتقنية وسبل توظيفها في علاقة بالواقع الإنساني .

ـ بيان ما يلف الحديث عن النمذجة من لبس وتظنن من جهة علاقتها بما هو إيديولوجي.

محاذير بيداغوجية:

ـ أوّل هذه المحاذير: ترتبط مقاربة العلم في علاقته بالنمذجة بكثير من التقنيات أو المعارف التقنية والأمثلة الدقيقة التي قد لا يفقه سرها إلا ذوي الاختصاص، وهو ما يعسر إدراجها ضمن مجال إبستيمولوجي أو قراءة ابستيمولوجية موجهة إلى تلاميذ، عسر يتعمق حين نفكر في النقل التعليمي الذي توجبه تعليمية الفلسفة من جهة التمييز بين المعرفة العالمة والمعرفة الواجب تدرسيها، ولعل وعينا بهذه الصعوبة هو الذي قادنا إلى التفكير في النمذجة من جهة إبستيمولوجية لا من جهة تقنية، وهو ما يدعوني إلى التنبيه أنّ الأمر لا يتعلق بتحويل درس الفلسفة إلى درس في الرياضيات أو في الفيزياء وإنما درس من طبيعة إبستيمولوجية، دون أن يعني ذلك عدم التفكير في نموذج علمي فيزيائي أو اقتصادي يمكن أن يقدم كمثال توضيحي للمسألة.

ـ ثانيها: يبدو الاختيار على تدريس النمذجة لتلاميذ الباكلوريا حاملا لمزلق خطير، والمتمثل في تحوّل الدرس إلى محاكمة للعلم بدل الوعي بآليات إنتاجه وقيمته، فرهان تدريس النمذجة قد يبدو ملتبسا على غرار رهان تدريس مسالة الفلسفة والعلم في البرنامج القديم إذ تتنزل مسألة النمذجة ضمن فلسفة ما بعد الحداثة، وهو ما يجعلها مسألة ملتبسة في مجتمع مثل مجتمعنا لازالت تسيطر فيه الخرافة على الأذهان، حتى لا أقول أنه لم يرتق بعد إلى الحداثة، لذلك تحدثت عن مزلق وجب أن نعي بمخاطره، مزلق قد ينتهي بنا إلى النظر إلى العلم على أنه مجرد تمثل لا يختلف نوعيا عن بقية التمثلات دينية كانت أو ميتافيزيقية، فما ينبغي التأكيد عليه في تقديري أنّ "العلم يظل علما رغم كل شيء" وأنّ المهمة النقدية لفلسفة المعرفة تهدف لا إلى تشريع اليأس من العلم وإنّما تحريره من عنف الإيديولوجي أو من عنف كوني الهيمنة.

ـ ثالثها:

قدّم سفر البرامج المسألة مفصلة بحيث ميز في درس أبعاد النمذجة بين البعد التركيبي والدلالي والتداولي، وهو تقسيم من طبيعة منهجية وإجرائية بالأساس، إذ لا نعثر في الأدبيات الخاصة بالنمذجة كما في النصوص السند المقترحة في الكتاب المدرسي مثل هذا الفصل، ذلك أن هذه الأبعاد متداخلة ومترابطة فيما بينها، إذ لا يمكن استحضار البعد التركيبي دون إحالة على البعد الدلالي والتداولي، لذلك يتطلب الأمر بيداغوجيا النظر إلى هذه الأبعاد في ترابطها من ناحية مع التركيز في مستوى إستراتيجية الدرس على مفهوم مركزي في مقابل النظر إلى بقية المفاهيم على أنّها تتنزل في مقام ثان، أي أنّ تخير السند يكون مقترنا بتخير الهدف (البعد التركيبي مثلا) والتركيز في مستوى معالجة السند ومتابعة حركة الأفكار فيه على هذا الهدف.

سوف أعرض هذه المداخلة بدءا بتحديد دلالة النموذج والنمذجة في الفكر العلمي، ثم أنتقل إلى مقاربة النموذج من جهة بنيته أولا ومن جهة وظائفه لأعالج إثر ذلك المقاربة الإبستيمولوجية للنمذجة متوقفا عند علاقة النموذج بالواقع وبالنظرية وبالتفسير والتجريب والموضوعية والحقيقة ثم أعرض الأسس الإبستيمولوجية للنمذجة وأنتهي إلى النظر في بيان الحدود التي يمكن أن نقف عندها من زاوية إبستيمولوجية وفلسفية.

I -دلالة النموذج والنمذجة:

يعرّف النموذج حسب فاليزار" بما هو كل تمثل لنسق واقعي سواء كان ذهنيا أو ماديا، يتم التعبير عنه بلغة أدبية أو في شكل رسوم بيانية أو رموز رياضية" كما يعرّفه دوران بقوله" يشمل معنى النموذج في دلالته الأكثر اتساعا كل تمثل لنسق واقعي مهما كان شكل هذا التمثل". والنمذجة وفق هذا التحديد هي التمشي المنهجي الذي يفضي إلى إنتاج النموذج والذي يعني التمثل لكائن ما يوجد في الواقع ولكيفية اشتغاله ، وتفترض النمذجة أنّ كلّ كائن هو بمثابة منظومة تشتغل على نحو ما، ليكون النموذج منزلا ضمن حقل الفكر النسقي وهو ما يعبر عنه فاليزار بقوله " لا ينفصل مفهوم النسق في الحقيقة عن مفهوم النموذج منظورا إليه كنسق تصوّري لنسق واقعي. وكل نسق واقعي لا يعرّف إلا بالعودة إلى نماذج تصورية (التصورات الذهنية أو التصورات الصورية) وعلى العكس من ذلك فإن كل نموذج يمكن اعتباره نسقا خصوصيا أيا كانت طبيعته فيزيائية (maquette) أو مجردة(ensemble de signes ) "

يجد النموذج أصوله في التقنية، و يفيد الرسم الهندسي أو الموضوع المختزل في مثال مصغر أو في شكل تبسيطي والذي ينتج المشروع (الموضوع) ويعبر عنه ، إذ يمكن أن يخص بعمليات حسابية أو اختبارات فيزيائية لا يمكن تطبيقها على الموضوع ذاته، لذلك اتخذ النموذج طابعا منهجيا، إذ يشير إلى كل الصور أو الإنتاجات التي تخدم أهداف المعرفة.

إنّ الوقوف على الدلالة الجديدة للنموذج تقتضي تمييزه عن دلالات تبدو مجاورة ولكنها مغايرة:

· النموذج والبراديغم:

يفيد البراديغم بحسب توماس كوهن معنى تمثل العالم وطريقة في النظر إلى الأشياء أو نموذجا إرشاديا متناسقا في رؤية العالم يستند على جملة قيم ومبادئ ومعايير وقواعد تتبناها مجموعة علمية معينة وتتواضع بشأنها أو تتفق عليها لقراءة الواقع أو للحكم على الأحداث في فترة زمنية معينة وهو ما يجعل البراديغم قريبا في دلالته من منظومة الأفكار أو البنية المفهومية التي تعتمدها جماعة علمية في البحث والنظر والحكم، وعلى هذا الأساس يختلف النموذج عن البراديغم اختلافا يمكن توضيحه على أساس أن النموذج أو النمذجة إنما يتحرك داخل براديغم معين إذ ترتبط النمذجة ببراديغم الكون المبني في مقابل براديغم الكون المنحوت أو براديغم الإنشاء في مقابل براديغم الاكتشاف، وهو ما يعني أنّ النمذجة لا تعكس امتدادا للعقلانية الكلاسيكية وإنما تعبر عن ثورة علمية التي يفترض قيامها انقلابا على باراديغم سائد والانتقال إلى براديغم جديد.

· النموذج والمثل الأفلاطونية:

لا ينبغي أن يفهم النموذج في معنى المثال الأفلاطوني حيث يمثل النموذج الصورة المثالية التي تتحدد على ضوئها الموجودات وتنتظم، بل على العكس إذ أن النموذج العلمي التقني يقلب صورة النموذج الأفلاطوني بما أنه تمثل عرفاني أو عقلاني لأجسام واقعية متعينة.

· النموذج والمثل الأعلى العلمي:

كما لا ينبغي أن يفهم النموذج على معنى المثل الأعلى العلمي الذي تتخذه بقية العلوم نموذجا تحاكيه وتنحو نحوه على غرار النظر إلى الفيزياء النيوتنية بما هي نموذج لبقية العلوم في المقاربة الوضعية أو النظر إلى الرياضيات بما هي نموذج ينبغي محاكاته واعتباره نموذج لكل خطاب يطلب استيفاء شروط العلومية، إذ لا وجود لنموذج النماذج ولا معنى لنموذج مكتمل حيث تكون خصائص النموذج مطابقة أو ملائمة لخصائص النسق.

· النموذج والصور الحسية:

قد يفهم النموذج على معنى الصورة الحسية أو الرسم الذي يخاطب العيون "فالصورة الحسية للقوانين المجردة للعقل العلمي لا يمكن الإمساك بها دون اللجوء إلى النموذج" على حد عبارة بيار دوهايم كما يمكن أن يحيل على معنى الأصل في علاقة بنموذج الفنان أو النسخة المثالية القائمة على محاكاة الطبيعة أو التصميم الهندسي أو التقني أو الفني أو المعماري أو تمثال الإنسان أو الحيوان بما هو نموذج يرسمه طلاب الفنون للتدرب أو هو المخطط بالنسبة للمهندس القائم على المماثلة الإيقونية أو المشابهة الرمزية أو النموذج المصغر أو الصورة المصغرة، هذه المعاني لا تعبر عن حقيقة النموذج في العلم وإن كانت تكشف عن تجربتنا المعرفية الثرية ومتعددة الوجوه في النظر إلى النماذج، أوالتقاليد القائمة في استخدام النماذج، ذلك أن النموذج وفق هذه المعاني قد يفيد التمييز بين النظرية المجردة والنموذج الواقعي أو الميكانيكي ( وهو ما نفهمه من خلال قول دوهايم خاصة) أو يحيل على معنى محاكاة معطى متعين (كما هو الحال حين ننظر إلى الفن بما هو محاكاة للطبيعة) أو يحيل على معنى المجاز ( la métaphore ) الذي يعد تعبيرا عن محتوى واقعي، فالنموذج علميا لا نستوفيه حقه ما لم نأخذ في الحسبان إمكان أن يكون النموذج مجردا يفيد بنية مفهومية أو بنية من القيم والعلاقات والخصائص مثل برنامج الحاسوب من ناحية، وما لم ننظر إليه في بعده المركب: إذ ليس النموذج انعكاسا لواقع، ليس له واقع بل هو ليس سوى وظيفته: نموذج ل، إنه يحيل دوما على شيء مغاير له أو هو بمثابة المرجع لشيء ووظيفته إنما هي وظيفة تفويضية[Délégation ] "إنه وسيط نفوض له وظيفة المعرفة"[سوزان بشلار].

ينبغي أن يفهم إذن من كلمة نموذج وحدة معرفية أو إدراكية مستقلة تعبّر عن نفسها في شكل علاقات صورية بين مقادير.وانطلاقا من مجموع الفرضيات يسمح النموذج من استخلاص أو اشتقاق جملة من النتائج أو الاستتباعات في صورة نسقية (البعد التركيبي). أما من الناحية التجريبية فيكون للنموذج منزلة ابستيمولوجية هجينة، إذ لا يمكن النظر إليه بما هو نتاج نظري خالص، ولا أيضا بوصفه حصيلة ملاحظات. إنّه ينشئ أيضا حقلا من المفاهيم(موضوعا مفهوميا) مرنا قابلا لمسار متدرج للتعديل (البعد الدلالي ). ومن الزاوية الإجرائية فإنّ للنموذج منزلة عملية أو تطبيقية أصيلة بما أنّه يضم عناصر وصفية وأخرى معيارية، تسمح له أن يكون فاعلا وناجعا وقادرا على تحقيق الغايات التي حكمت إنتاجه ( البعد التداولي ).

إذا اعتبرنا أن النمذجة هي بمثابة مسار إجرائي للمعرفة، وأن النموذج هو وسيط نفوض له وظيفة المعرفة، فإننا نكون إزاء دلالة جديدة للنموذج بما هو تمثيل للمعرفة، وهو ما يقتضي منا أن نبلور معنى النمذجة بما هي مسار يسمح بإنتاج النماذج بضبط خطواتها، فكيف ننمذج؟ .

يمكن تعريف النمذجة العلمية بما هي قدرة على إنتاج نماذج قوامها وعي الفكر العلمي بطبيعة نشاطه العرفاني بما هو صانع نماذج مرتبطة بسياق اجتماعي محدّد.كما تفيد جملة المراحل التي يمر بها الباحث لبناء نموذج ما انطلاقا من المنظومة الملاحظة والتي يمكن اختزالها في :

ـ رسم الحدود الدقيقة للنسق المزمع نمذجته.

ـ التعرف بدقة على عناصر النسق وتصنيفها بحسب خصائصها.

ـ اختيار لغة ما لتمثل هذه العناصر وكيفية تفاعلها(لغة أدبية، إيكونوغرافية أو منطقية/ رياضية).

ـ اختبار النموذج بتشغيله افتراضيا لتعديله عند الاقتضاء.

ـ ضبط الأهداف التي يرجى تحقيقها من إنشاء النموذج في علاقة بسياق ما.

ـ يمكن للباحث في الأخير إمّا تعميم هذا النموذج على أكثر من منظومة أو أن يبني منظومة أكثر تجريدا بواسطة الاستقراء وهو ما يعني أنّ النمذجة مشروع مفتوح.


Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Retour à l'accueil

Présentation

Recherche

Créer un Blog

Calendrier

Novembre 2014
L M M J V S D
          1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
             
<< < > >>
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés